اسد حيدر

506

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وقد خاض الشيعة عدة معارك وبذلوا أنفسهم في سبيل مناصرة دعاة الحق والعدل ولم يثنهم الخوف ، أو تحولهم الأطماع عن منهجهم الذي ساروا عليه ، فكانوا في معارضتهم يثقلون كاهل الدولة واسم التشيع يدخل الرعب في قلوب الحكام ، ولهذا فقد سلكوا في معارضة الشيعة كل الطرق . وقد أدخل أولئك الحكام - بمعاونة علماء السوء - في روع أتباعهم أن الشيعة إنما يناصرون آل محمد لا رعاية لحق النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووصاياه فيهم وأنهم عدل القرآن ، بل إنهم اعتقدوا أنهم آلهة وهم بهذا يحاولون تكفير الشيعة . كما أنهم حرموهم من كل ما يتمتع به غيرهم من سعة العيش وحرية الفكر وإظهار العقائد وإقامة الشعائر الدينية . فكان الزنديق يعيش في سعة من العيش ، وإن أنكر الخالق ، وألحد في عقيدته فلا يؤاخذ بشيء ما دام مسالما للدولة . والشيعي مضايق من كل جهاته ، ويرمى بسوء العقيدة ، مع إقراره للّه بالوحدانية ولمحمد بالرسالة ، ولا يسلم من الطعن لأنه معارض للسلطة . فمنعوهم من الحديث ومن يأخذ الحديث عنهم يناله سوء الاتهام ووسموهم بالخروج عن الدين واتهموهم بالزندقة والإلحاد ليتوصلوا إلى حلية دمائهم ورد رواياتهم . هذا إجمال سنفصله فيما بعد وقد أشرنا لبعضه من قبل وذكرنا ما بذل الولاة في محاربة الشيعة ودعايتهم ضد أهل البيت وأتباعهم ، ما خرجوا عن الواقع المحسوس ، واستعملوا الخرافات والأباطيل ليضلوا الناس عن طريق الحق ونهج الرشاد . ونحن نأمل كما يأمل كثير من الناس أن تهزم خرافات الأجيال الماضية بقوة العلم ، وتخضع تلك الأشباح الهائلة على التقهقر ، فقد وقفت في طريق وحدة المسلمين واتفاقهم لتعود لواقعها من حيث هي ، وتكشف الحقائق ويظهر لجيلنا المثقف خطأ الوضع ، فإنه لا يكاد يخضع لتلك الخرافات التي هيمنت على عقول الأجيال زمنا طويلا . ولننتقل الآن إلى البحث عن حياة الإمام مالك بن أنس الأصبحي الإمام الثاني من الأئمة الأربعة ، ونتعرف عليه ملتزمين البحث التاريخي بدون تعصب له أو عليه .